S1 · E312Yesterday · 5 min
أضواء هيسدالن: الوادي النرويجي الذي يُضيء بلا سبب في أقصى جنوب وسط النرويج، بين جبالٍ عاريةٍ وبحيراتٍ صامتة، يمتد وادٍ صغير يُسمّى هيسدالن. لا شيء في هذا المكان يدعو إلى الشهرة؛ قريةٌ هادئةٌ لا يتجاوز سكانها بضعة مئات، وليلٌ طويلٌ وقارس كما يليق بخطوطِ العرض الشمالية. لكن منذ أواخر العام 1981، بدأ هذا الوادي الهادئ يُطلق ما لا تفسره الكتب المدرسية: أضواءً تظهر من العدم، تتحرك بلا جناحٍ ولا محرك، وتتلاشى قبل أن يدرك الناظر ما الذي رأى. وهذه ليست حكايةً يرويها رواة الحانات. إنها ظاهرةٌ رصدها مزارعون وسائقون وعلماء، وأجهزةُ قياسٍ آليةٌ ما زالت تعمل حتى اليوم. واسمها الرسمي في الأرشيف: أضواء هيسدالن. بدأت القصة في خريف العام 1981، حين لاحظ سكان الوادي ومَن يعبر الطريق الضيق أجساماً مضيئة تتحرك في السماء ليلاً. في البداية ظنوها طائراتٍ أو أضواءَ سياراتٍ بعيدة، لكن ما رأوه كان أغرب: كراتٌ من نورٍ بألوانٍ مختلفة، بيضاءَ وصفراءَ وحمراءَ وأحياناً زرقاء، تطفو ثم تنطلق فجأة بسرعةٍ مستحيلة، أو تهبط نحو الأرض، أو تنقسم إلى أجزاء، أو تسير في خطوطٍ متعرجة لا تفعلها أي طائرة. خلال عامي 1981 و1982 بلغت الظاهرة ذروتها؛ كانت الأضواء تُرى عدة مراتٍ في الأسبوع، وأحياناً مرتين في الليلة الواحدة. وفي العام 1983 تجاوز عدد البلاغات الموثّقة مائةً وستين بلاغاً. لم يعد بالإمكان تجاهل الأمر. هنا تدخل العلماء. في العام 1983 شكّل اتحادُ دراسة الظواهر الجوية في النرويج بعثةً أُطلق عليها «مشروع هيسدالن»، وانضم إليها لاحقاً باحثون من كلية أوستفولد الجامعية. قضى الفريق صيفين في الوادي يجمع الشهادات ويصوّر وينصب أجهزة الرصد. ثم في العام 1998 أُقيمت محطةُ القياس الآليّة الهيسدالنية، محطةٌ تجمع البيانات ليلاً ونهاراً إلى اليوم، وتسجّل كل ومضةٍ تمر في السماء. ومن أبرز من درس الظاهرة علمياً عالمُ البلازما الإيطالي ماسيمو تيودوراني، الذي أمضى مواسمَ عدة في الوادي. ما وجده كان مذهلاً: الأضواء تصدر طاقةً تصل في لحظاتٍ إلى نحو مائةِ ألفِ واط، أي أقوى من أي شعلةٍ أو مصباحٍ عادي. والأكثر غرابةً أن طيف الضوء لم يكن طيفَ جسمٍ أسود متوهّج، ما يعني أن المصدر ليس ناراً ولا مصباحاً ولا نجماً، بل شيءٌ لا نعرف ماهيته بالضبط. طرح العلماء تفسيراتٍ عدّة، لكن لم تحسم واحدةٌ منها اللغز. إحداها نظريةُ «البلازما»: أن تياراتٍ من الهواء المؤيَّن تشتعل ككراتٍ مضيئة حين يتفاعل غبارٌ كوني مع مجالاتٍ كهربائية في الغلاف الجوي. وهناك من ربط الأضواء ببنية أرض الوادي؛ صخورٌ غنيةٌ بالكوارتز والحديد يمكن، نظرياً، أن تولّد شحناتٍ كهربائية عند احتكاكها، أثرٌ كهرضغطي، فتتولّد كراتُ نورٍ عند اضطرابٍ جيولوجي. وثمة من شبّهها بالكرة البرقيّة، تلك الظاهرة النادرة التي لا يزال العلماء يختلفون في تفسيرها. أما خارج المختبر، فلم يخلُ هيسدالن من النظريات الأكبر. منذ البداية تساءل كثيرون: هل نحن أمام مركباتٍ فضائيةٍ تراقب الوادي؟ فحركاتٌ مستحيلةٌ كالتوقف المفاجئ والانطلاق العمودي والانقسام جعلت كثيرين يستبعدون تفسيرَ ظاهرةٍ جويةٍ بحتة. وذهب آخرون أبعد فَرَأَوُا الأضواء «بوّاباتٍ بين الأبعاد» أو ما يُسمّى «أضواءَ الأرض»، ظاهرةً تظهر فوق صدوعٍ جيولوجيةٍ وتتغذى من طاقةِ الكوكب نفسه، وهو ما يفسّر ارتباطَ بعض الأضواء بخطوطِ الصدع قرب الوادي. ولم يفتِ هواةُ نظريات المؤامرة أن يتساءلوا عمّا إذا كانت الحكومات تعرف أكثر مما تعلن. وبعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال أضواء هيسدالن تظهر. تراجعت وتيرتها عمّا كانت عليه في الثمانينيات، لكن المحطة الآلية ما زالت تسجّل ومضاتٍ كل عام. يأتي الزوّار ليلاً يحملون الكاميرات، وأحياناً يعودون بصورٍ لا يستطيعون تفسيرها. يقف العلم هنا: ظاهرةٌ حقيقيةٌ مُقاسةٌ ومُوثّقة بالأرقام والصور، ومع ذلك بلا إجابةٍ واحدةٍ مقنعة. بين بلازما الأرض وكرات النار، وبين زوّار النجوم وبوّابات الأبعاد، ظلّ هيسدالن واحداً من ألغاز عصرنا التي ترفض أن تُحل. ربما في المرة القادمة التي تقف فيها تحت سماءٍ صافية، تذكّر أن ثمّة وادياً نرويجياً صغيراً ما زال، منذ العام 1981، يُرسل إشاراتٍ إلى السماء، بلا مرسلٍ نعرفه وبلا رسالةٍ نفهمها. هذا كان بودكاست غُموض. إذا أعجبك اللغز، شاركه مع من يحبّ الغموض مثلك.
🔗 ادعم غُموض على Pabbly
🔗 ادعم غُموض على ElevenLabs